الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

الإخلاص

اليوم سنتكلم عن الإخلاص
فى البداية نود أن نوضح معنى الإخلاص لغة وإصطلاحا

الإخلاص في اللغة: -
مشتق من خَلَص، بفتح الخاء واللام خلص يخلص خلوصاً وإخلاصاً، وهو في اللغة بمعنى صفا وزال عنه شوبه
:-  معنى الإخلاص فى الشريعة
يعني صدق العبد في توجههِ إلى الله اعتقاداً وعملاً،
قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِين لَهُ الدّين﴾ سورة البينة الآية (5).

- قال العز بن عبد السلام :
"الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده، لا يريد بها تعظيماً من الناس ولا توقيراً، ولا جلب نفع ديني، ولا دفع ضرر دنيوي"

- يقول بعض السابقين
"المخلص هو: الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله".

- سئل التستري:
"أي شيء أشد على النفس؟! قال: "الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب".
-قال ابن القيم - رحمه االله-:
"الإخلاص: هو إفراد الحق
سبحانه بالقصد في الطاعة"
-وقال الجرجاني- رحمه االله -: 
(الإخلاص: تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدر لصفائه.
وتحقيقه: أن كل شيء يتصورأن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه يسمى خالصًا،
- ويسمى الفعل المخلص إخلاصا،
قال االله تعالى
" ومِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ " النحل 66 
فإنما خلوص اللبن ألا يكون فيه شوب من الفرث والدم

- وورد عن السلف الصالح معان عديدة للإخلاص منها
- أن يكون العمل الله تعالى، لا نصيب لغير الله فيه.
- تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.
- تصفية العمل من كل شائبة

منزلة الإخلاص: -
الإخلاص هو حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة الرسل
قال تعالى:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء). 

وقوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ). 

- قال الفضيل بن عياض في هذه الآية:
"أخلصه وأصوبه". قيل: "يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟"
قال: أن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم تقبل وإذا صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".

-قال تعالى:
(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)
يقول شيخ الإسلام: "الناس لهم في هذه الآية ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا من اتقى الكبائر، وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال.
والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك.
والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل، ففعله كما أمر به خالصاً لوجه الله تعالى".
جزاء الإخلاص
إنظروا أحبتى فى الله لعظم الجزاء لتعلموا أهمية الإخلاص
-عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل هذا، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟! أظلمك كتبتي الحافظون؟! فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟! فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء"
-يقول شيخ الإسلام معلقاً على هذا الحديث :
"فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخص، وإلّا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا اله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة".

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به"
- ويقول هنا ابن تيمية عن هذه البغى التي سقت الكلب :
"فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغُفِرَ لها، و إلا ليس كل بغي سقت كلباً يُغفر لها"
- وإنظروا إلى عاقبة عدم الإخلاص والشرك في العبادة فى هذا الحديث
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟! قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت؛ ولكنك قاتلت ليُقال: جرئ، فقد قيل. ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجل تعلّم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال: فما عملت؟! قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن. قال: كذبت، ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال قاري، فقد قيل. ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من صنوف المال، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها. قال: فما عملت بها؟! قال: ما تركت من سيبل يحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جوا، فقد قيل. ثم أمر به على وجهه حتى أُلقي في النار".
[رواه مسلم].

 درجات الإخلاص:
الأولى :
إخراج رؤية العمل عن العمل، والخلاص عن طلب العوض عن العمل، والنزول عن الرضى بالعمل.
1- يشاهد منة الله تعالى وتوفيقه له على هذا العمل:
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ).
2 -  ليعلم إنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوض.
3 - مطالعته عيوبه وآفاته وتقصيره فيه.

الثانية:
الخجل من العمل مع بذل المجهود حيث لا يرى العمل صالحا لله مع بذل المجهود (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).
 فالمؤمن جمع إحساناً في مخافة، وسوء ظن بنفسه.

الثالثة:
إخلاص العمل بالخلاص من العمل، إلا بنور العلم، فيحكمه في العمل حتى لا يقع في البدعة.

من ثمار الإخلاص:
1- تفريج الكربات ( قصة الثلاثة – قصة عكرمة – قصة أصحاب الكهف).
2- الانتصار: (يَا أَيُّهَا 
الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
3- العصمة من الشيطان: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). 
4- نيل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "قلت يا رسول الله؛ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟!
فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قِبَل نفسه".
5- مغفرة الذنوب ونيل الرضوان: كما في حديث البطاقة، والمرأة البغي التي سقت الكلب، والرجل الذي أزاح الشجرة من الطريق.

أقوال السلف في الإخلاص:-
- قال الشافعي رحمه الله:
"وددت أن الناس تعلموا هذا العلم يعني كتبه على أن إلا ينسب إلى منه شيء".
- وقال بعض السلف: "إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي الخلاء".

- وقيل لحمدون بن أحمد: "ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا، قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق".

- قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زوار فيقوم من الليل يصلي ولا يعلم به زواره وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوتا.
"وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليلته وهي لا تشعر".

- عن سفيان قال: "أخبرتني مرية الربيع بن خثيم قالت: "كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه".

- قال الفضيل بن عياض: "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما".
- وقال بعض السلف: "من سلم له في عمره لحظة واحدة خالصة لله تعالى نجا". 

- قد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الصبر على الطاعة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- صبر قبل الطاعة.
2- صبر في الطاعة.
3- صبر بعد الطاعة "المن، العجب، السمعة".

هناك أمور يجب الانتباه لها فى مسألة الإخلاص ومنها:
- مبالغة  البعض العباد في تجريد القصد إلى الله والتقرب إليه حتى عدوا طلب الثواب الأخروي الذي وعد الله به عباده الصالحين قادحاً في الإخلاص، وهم وإن لم يقولوا ببطلان الأعمال التي قصد أصحابها الثواب الأخروي إلا أنهم كرهوا للناس العمل على هذا النحو، ووصفوا العامل رجاء حظ أخروي بالرعونة، وسموه بأجير السوء.
يقول أحد مشاهير الصوفية: "الإخلاص إلا يريد على عمله عوضاً في الدراين ولا حظاً من الملكين".
وكيف يكون هذا وهناك آيات فى القرآن تبطل كلامهم ومنها:
قد وصف الله نعيم الجنة في سورة المطففين، ثم حث على التنافس والتسابق في طلبة فقال:
(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
وخليل الرحمن إبراهيم يقول في دعائه:
(وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

الخوف من الرياء 
وهذا فيه أمور يجب توضيحها
1- حمد الناس للرجل على عمل الخير، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: "قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟! قال: تلك عاجل بشرى المؤمنين".

2- التحدث عن المعاصي لو أن الله يكره ظهور المعاصي ويحب ستره في الحديث: "من ارتكب شيئاً من هذا القاذورات فليستتر بستر الله عز وجل".

3- ترك الطاعات خوفا من الرياء لأن ذلك من مكائد الشيطان قال إبراهيم النخعي: "إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة فقال: إنك مراءٍ، فزدها طولاً".

4- نشاط العبد بالعبادة عند رؤية العابدين:
قال المقدسي: "يبيت الرجل مع المتهجدين فيصلون أكثر الليل وعادته قيام ساعة فيوافقهم، أو يصومون ولولاهم ما انبعث هذا النشاط، فربما ظن ظان أنّ هذا رياء وليس كذلك على الإطلاق، بل فيه تفضيل، وهو أن كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى ولكن تعوقه العوائق وتستهويه الغفلة فربما كانت مشاهدة الغير سبباً لزوال الغفلة".
ثم قال: "ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان لا يراهم ولا يرونه، فان رأي نفسه تسخو بالتعبد فهو لله، وان لم يسخ كان سخاؤها عندهم رياء وقس على هذا"
 و لا ينبغي أن يؤيس نفسه من الإخلاص بأن يقول: إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء وأنا من المخلصين، فيترك المجاهدة في تحصيل الإخلاص لأن المخلط إلى ذلك أحوج.

5- عدم التحدث بالذنوب وكتمانها: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف سترة الله". [متفق عليه].

6- اكتساب العبد لشهرة من غير طلبها وترك العمل خوفا أن يكون شركا، قال الفضيل بن عياض: "ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل من اجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منه". قال النووي معلقا على كلام الفضيل: "ومعنى كلامه رحمه الله أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مراء لأنه ترك العمل لأجل الناس إما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب إلا أن تكون فريضة أو زكاة واجبة أو يكون عالما يقتدى به فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل"
إنتهى بحمد الله
(ما كان فيه من صواب فمن الله وحده وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان)




هناك 6 تعليقات:

  1. ربنا يجعلنا من المخلصين فى الدنيا وفى الآخره

    ردحذف
    الردود
    1. آميين يا رب
      رزقنا الله وإياك الإخلاص والصدق في القول والعمل

      حذف
  2. ماشاء الله

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك ربى الفردوس الأعلى من الجنة
      أسعدني مرورك

      حذف
  3. بارك الله فيك أستاذ يسري على ماأتحفتنا به من درر الكلام عن الاخلاص زادك الله علما ونفع بك

    ردحذف
    الردود
    1. وفيك بارك اخى الكريم
      أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص والصدق في القول والعمل
      أخيك محمود يسري

      حذف